أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
77
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إلى ذلك ، لأن المقام إنما يقتضي ذكر المجرمين فقط ، إذ هم الذين أثاروا ما تقدم ذكره » . قوله : أَنْ أَعْبُدَ . في محل « أَنْ » الخلاف المشهور ، إذ هي على حذف حرف ، تقديره : نهيت عن أن أعبد . وقوله : « قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً » « إذن » حرف جواب وجزاء ، ولا عمل لها هنا ، لعدم فعل تعمل فيه . والمعنى : إن اتبعت أهواءكم ضللت ، وما اهتديت ، فهي في قوة شرط وجزاء ، والجمهور « ضَلَلْتُ » بفتح اللام الأولى . وقرأ أبو عبد الرحمن ، ويحيى ، وطلحة ، بكسرها ، وقد تقدم « 1 » أنها لغة . ونقل صاحب التحرير عن يحيى ، وابن أبي ليلى ، أنهما قرآ هنا وفي ألم السجدة : أَ إِذا ضَلَلْنا « 2 » بصاد غير معجمة ، يقال : صلّ اللحم ، أي : أنتن ، وهذا له بعض مناسبة في آية السجدة ، وأما هنا فمعناه بعيد أو ممتنع . وروى العباس عن ابن مجاهد في الشواذ له : « صللنا في الأرض » أي : دفنا في الصّلّة ، وهي الأرض الصّلبة . وقوله : « وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ » تأكيد لقوله : « قَدْ ضَلَلْتُ » . وأتى بالأولى جملة فعلية ، ليدل على تجدد الفعل وحدوثه ، وبالثانية اسمية ليدل على الثبوت . قوله : وَكَذَّبْتُمْ بِهِ . في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك . والثاني : أنها في محل نصب على الحال ، وحينئذ هل يحتاج إلى إضمار « قد » أم لا ؟ . والهاء في « بِهِ » يجوز أن تعود على « رَبِّي » ، وهو الظاهر . وقيل : على « القرآن » ، لأنه كالمذكور . وقيل : على « بَيِّنَةٍ » لأنها في معنى البيان . وقيل . لأن التاء فيها للمبالغة ، والمعنى : على أمر بين من ربّي . و « مِنْ رَبِّي » في محل جر صفة ل « بَيِّنَةٍ » . قوله : يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ نافع وابن كثير وعاصم : « يَقُصُّ » بصاد مهملة مشددة مرفوعة ، وهي قراءة ابن عباس . والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة ، وهاتان في المتواتر . وقرأ عبد اللّه ، وأبيّ ، ويحيى بن وثاب ، والنّخعي ، والأعمش ، وطلحة : « يقضي بالحق » من القضاء . وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد « يقضي الحقّ ، وهو خير الفاصلين » . فأما قراءة « يقضي » فمن القضاء ، ويؤيده قوله : وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ، فإنّ الفصل يناسب القضاء ، ولم يرسم إلا بضاد كأن الياء حذفت خطأ ، كما حذفت لفظا لالتقاء الساكنين ، كما حذفت من نحو : فَما تُغْنِ النُّذُرُ « 3 » ، وكما حذفت الواو من : سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ « 4 » ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ « 5 » لما تقدم . وأما نصب « الْحَقَّ » بعده ففيه أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : يقضي القضاء الحق . والثاني : أنه ضمن « يقضي » معنى : « ينفذ » ، فلذلك عداه إلى المفعول به . الثالث : أن « قضى » بمعنى : صنع فيتعدى بنفسه من غير تضمين ، وبدل على ذلك قوله :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 209 ) . ( 2 ) آية ( 10 ) . ( 3 ) سورة القمر ، آية ( 5 ) . ( 4 ) سورة العلق ، آية ( 18 ) . ( 5 ) سورة الشورى ، آية ( 24 ) .